يحلّل إيكو إرنادا في هذا المقال دلالات موجة الاحتجاجات التي شهدتها إيران أواخر عام 2025، رافضًا القراءة الغربية الشائعة التي ترى في كل اضطراب داخلي عدًّا تنازليًا لسقوط النظام. يطرح الكاتب مقاربة مختلفة ترى ما يجري بوصفه أزمة بنيوية عميقة ناتجة عن تلاقي الانهيار الاقتصادي مع تحوّلات اجتماعية واستجابة سلطوية مُرهَقة، لا لحظة ثورية فاصلة.

 

ينشر ميدل إيست مونيتور هذا التحليل في سياق تصاعد احتجاجات واسعة دفعتها ضغوط معيشية خانقة، حيث يخاطب المرشد الأعلى علي خامنئي الجمهور في قم متناولًا اضطرابات تفجّرت على خلفية مشكلات اقتصادية، ما أعاد إشعال نقاش قديم حول مستقبل النظام الإيراني وقدرته على الاستمرار.

 

الانهيار الاقتصادي حين يتحوّل العيش إلى سياسة

 

يفرض الانهيار الاقتصادي نفسه عاملًا حاسمًا في تفسير الاحتجاجات. لا تقتصر الأزمة على تضخم أو تراجع العملة، بل تمتد لتجعل البقاء اليومي ذاته ساحة صراع سياسي. حين يصبح الوصول إلى الغذاء والسكن والخدمات الأساسية غير مضمون، يتجاوز الاعتراض الأيديولوجيا ويتحوّل إلى مسألة وجود. يكتسب هذا التحول خطورته مع انخراط الطبقة الوسطى وصغار التجار، وهي فئات طالما مثّلت ركائز استقرار صامتة للنظام.

 

يحذّر اقتصاديون إيرانيون، مثل جواد صالحي أصفهاني، منذ سنوات من أن الأزمات الاقتصادية تزعزع الاستقرار السياسي حين تقوّض العقد التوزيعي الضمني بين الدولة والمجتمع. يؤكد انضمام تجار بازار طهران، المعروفين بالحذر والبراغماتية، حدوث شرخ حقيقي. تفقد الدولة شرعيتها حين تعجز عن ضمان الاستقرار المادي، حتى إن احتفظت بأدوات القمع.

 

إعادة اصطفاف اجتماعي بلا أوهام أيديولوجية

 

تتسم الاحتجاجات بطابع واسع ولا مركزي وغياب قيادة واضحة. لا يعكس هذا الغياب نقصًا في النضج السياسي، بل يعكس فقدان الثقة في الوساطة السياسية الرسمية. لا يسعى المحتجون إلى إصلاح النظام من داخله، بل يسحبون موافقتهم من منظومة لم تعد تحظى بالثقة. يلاحظ مفكرون مثل فالي نصر أن الحراك الإيراني المعاصر يتخذ شكلًا أفقيًا مرنًا، يصمد أمام القمع لكنه يرفض التبلور السريع في أطر تنظيمية تقليدية.

 

يخطئ محللون غربيون حين يفسرون هذا الشكل بوصفه ضعفًا. يكشف الواقع نزعة أعمق وأكثر خطورة على المدى الطويل: تشككًا بنيويًا بدل رومانسية ثورية. لا يبحث المجتمع عن بطل أو برنامج، بل يعبّر عن قطيعة متراكمة مع شرعية الحكم.

 

دولة مُرهَقة تعتمد القسر وتؤجّل الحساب

 

تفضح استجابة الدولة حدود “المرونة السلطوية”. تلجأ السلطات إلى قطع الإنترنت والاعتقالات الواسعة والانتشار الأمني المكثف، في سلوك يدل على الخوف أكثر مما يدل على الثقة. تاريخيًا، وازنت الجمهورية الإسلامية بين القمع وإعادة التوزيع والتعبئة الأيديولوجية. اليوم، يستنزف الإنهاك الاقتصادي ركيزتي التوزيع والتعبئة، فلا يبقى سوى القسر أداة أساسية للحكم.

 

لا يستعيد القمع الشرعية، بل يؤجّل لحظة المواجهة. تُظهر دراسات مثل أعمال ستيفن هايدمان أن أنظمة واقعة تحت ضغط مزمن قد تستمر عبر تفتيت المعارضة وتصدير اللوم بدل معالجة الأزمات الهيكلية. ينبغي عدم الخلط بين البقاء والاستقرار.

 

تتسع التداعيات إقليميًا مع طرح سؤال مقلق: ماذا يعني بقاء إيران ضعيفة لكنها متماسكة؟ هل تنكفئ عن الإقليم أم تعوّض هشاشتها الداخلية بسلوك خارجي أكثر حدّة؟ يحذّر آدم هنية من أن الدول المُنهَكة اقتصاديًا نادرًا ما تنسحب بهدوء من ساحات النفوذ، بل قد تلجأ إلى تصعيد محسوب للحفاظ على الردع والاعتبار بأدوات أقل.

 

لا تكمن الخطورة في انهيار إيران، بل في سوء التقدير. قد تدفع قراءة الاضطرابات كفرصة للضغط أو تغيير النظام إلى تعميق عدم الاستقرار الذي تخشاه قوى إقليمية وغربية. يتجاوز الدرس الحالة الإيرانية ليطال الإقليم كله، حيث تصل نماذج الحكم القائمة على القمع والريع إلى حدودها الاقتصادية من لبنان إلى مصر والعراق وتونس.

 

لا تعلن احتجاجات إيران سقوطًا وشيكًا، بل تكشف إنهاكًا طويل الأمد. تتآكل معادلة حكم لم تعد توفر أمنًا اقتصاديًا أو كرامة اجتماعية أو معنى سياسيًا. السؤال الملحّ ليس متى تسقط إيران، بل إلى أي مدى يستطيع الشرق الأوسط تحمّل تقلبات دول تستطيع القسر وتعجز عن الحكم وترفض التخلي عن السلطة، ما يجعل عدم الاستقرار حالة دائمة لا مرحلة انتقالية.


https://www.middleeastmonitor.com/20260110-irans-protests-signal-systemic-crisis-not-sudden-collapse/